استشارات

أشكو من غياب الأهداف والانشغال بالصوارف، انصحوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشكلتي ليس لدي أهداف أسعي لها، فأنا طالب جامعي لا أذاكر، مشغول بمواقع التواصل الاجتماعي -السوشال ميديا-، وعندما أنتهي من يومي الدراسي أنام ثم أصحو وأتابع السوشال ميديا وأنا جالس في غرفة مظلمة؛ فهذا يشعرني بالراحة مثل أخي، لا أعرف هل أنا أقلده أم أننا متشابهان؟ بعكس أصدقائي فهم متفوقون ولهم أهداف، يرجعون من الكلية ويذاكرون، كل همي الراحة، وأجد نفسي في نهاية السنة بدرجات ضعيفة؛ وهذا طبيعي لكنني أحزن لأنني أشعر بالفشل.

لدي مشكلة أخرى في التفكير السلبي عن نفسي، ليس لدي ثقة بالنفس، وكثير الشكوى، أشعر أنني أحب ذلك، أريد منكم إرشادي كيف أحفز نفسي للمذاكرة؟ فأنا أحتاج لوقت طويل في المذاكرة مع قلة الاستيعاب.

أعتذر منكم على العشوائية في السرد، وشكراً.

الإجابــة

 

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- ، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

أخي الفاضل: أن يكون للإنسان أهداف في الحياة؛ فهذا دليل على الرغبة في الإنجاز في رحلة العمر القصيرة، وعدم وجود أهداف يجعل الحياة مبعثرة والجهود مشتتة في كل الاتجاهات، اعلم -أخي- أن مجرد أن يكون لديك غاية تريد الوصول إليها في الحياة فهذا هدف؛ لذلك في الحقيقة لا يوجد شخص ليس لديه أهداف، فكل رغبة تحرك فيك الدافعية للوصول إليها وتحقيقها فهي هدف، لكن تتنوع الأهداف بين أهداف عليا راقية تسمو بالإنسان عقلاً وروحاً وسلوكاً، وبين أهداف دنيوية وضيعة تسفل بالإنسان إلى حقير المواضع والأخلاق، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها).

اعلم أخي -وفقك الله- أن أهم أسباب عدم اتخاذ الأهداف في الحياة ثلاثة أمور:

أولاً: منطقة الراحة؛ وهي منطقة وهمية تصف حالة سلوكية يمارسها الشخص عندما يدخل في حالة من عدم التوتر أو الشعور بالخطر، بسبب اعتياده على ممارسات ضمن إطار روتيني متكرر؛ ينتج عن هذا الروتين تكيف ذهني يعطي الشخص شعوراً غير واقعي بالأمان والاستقرار، ومشكلة منطقة الراحة أن هذا الخمول والركون للراحة يساهم بشكل كبير في الحد من قدرات الشخص على الإبداع والتقدم في الحياة، وهذا يُضعف مجاراة الإنسان لتغيرات الحياة، ويجعله متوقفاً عن الإنتاجية، ولن يجد الثمرة السلبية لمنطقة الراحة إلا في فترات متباعدة، وعند الأزمات والحوادث التي تتطلب أن يكون لديه خبرة وتجارب ومعرفة، ومن المعلوم -أخي الفاضل- أن الأحداث والتجارب والمواقف هي ما تدفع الإنسان للتعلُّم وبناء النفس واكتساب الخبرات.

ثانياً: عدم وجود الدافعية، يبدو من رسالتك أنك تعيش استغناء تاماً، فكل شيء موفر لك، وليس لديك مسؤوليات أو أي ضغوطات، وهذا يشعرك بعدم الحاجة لبذل أي مجهود؛ فما دام أن هناك شخصاً يوفر لك كل ما تريد، أو يصل إليك ما تحتاج دون عناء أو تعب فلماذا أتعب نفسي؟! وهذا الشعور يصل بك إلى مرحلة عدم الشعور بالمسؤولية؛ فالشعور بالحاجة يدفعنا دائما للبحث عن الأمان، وعندما لا نفكر في الفقد ولا نشعر بالحاجة يتولد لدينا الإحساس بالراحة.

ثالثاً: البيئة التي تعيش فيها لم تربِ فيك الطموح، وأنت تقول إن لك أخاً يشاركك هذا الخمول والقعود؛ فأنت تشعر بمؤازرة من هذا الأخ، وهذا يزيدك حباً لما أنت فيه؛ فالأسرة لا بد من أن تغرس في أبنائها حب الطموح والإنجاز وبلوغ المراتب العالية من خلال التشجيع والتحفيز، ومن خلال القدوة المباشرة والاحتفاء بالنجاح والناجحين، وعندما تكون الأسرة فاقدة لكل هذا؛ لا شك أن أفراد الأسرة سيكتسبون عادة الاتكالية وعدم الشعور بالمسؤولية، وبالتالي سيكون الطموح والأهداف شيء هامشي بالنسبة لهم.

لذلك أخي الفاضل: من أهم أسباب صناعة الأهداف أن يكون لديك دافع في نفسك للمنافسة والتفوق، وهذا أمر فطري في البشر، فكل إنسان يتمنى أن يكون الأفضل، وتصنع هذا الشعور عبر مخالطة المتفوقين والناجحين، والنظر في نجاحاتهم ولحظات تفوقهم، وتحفيز النفس أن تكون شخصًا ذا قيمة ومكانة مثلهم أو أفضل منهم.

كذلك مما يصنع الأهداف الخروج من منطقة الراحة، والشعور بخطر عدم الإنجاز والبناء للنفس في عالم متسارع لا يرحم الكسالى أو الخاملين، ولأنك لا تزال في مرحلة الدراسة فمشاعر الألم لا تزال بعيدة قليلاً، وستبدأ أول خطوات الألم بعد التخرج ومواجهة الحياة، وفي لحظات البحث عن وظيفة ومصدر رزق، وهنا تشعر بألم التقصير وضياع العمر والفرص؛ لأنك لم ترتق لمنافسة الآخرين، ولم تتجهز لهذه المرحلة من حياتك بالإعداد الكافي.

اعلم أخي -وفقك الله- أن من أعظم ما يحفزك للمذاكرة هو “الخوف”، فالخوف من عدم تحقيق الأهداف والطموحات يجعلك تخاف من المستقبل؛ لذلك الخوف يخلق فيك دافعية للمذاكرة، الخوف من الرسوب والفشل وكلام الناس وانتقاصهم لك، وأن تكون شخصاً معروفاً بالفشل عند الآخرين، كل هذا من محفزات المخاوف التي تدفعك للمذاكرة؛ لأنها الوسيلة للخروج من كل ذلك.

كذلك هناك وسائل أخرى تحفزك للمذاكرة؛ كالشعور بالإنجاز والتفوق، ويكون ذلك من خلال تنظيم الوقت وتحقيق نجاحات صغيرة؛ كحل الواجبات أو كتابة البحوث، أو تفوق في اختبار فصلي، وهكذا..، وكل هذا يحفز النفس للمزيد من النجاحات.

أخيرًا أخي الفاضل: لو قعدت مع نفسك وسألتها “من الخاسر من هذا الوضع الذي أعيش فيه؟!” ستجد أن نفسك تخبرك بوضوح أنه لا يوجد أحد خاسر غيرك! قد تكون الآن في فترة المراهقة والاندفاع والطيش وحب المتعة، لكن عندما يصبح هذا كل همك في الحياة، وشغلك الشاغل طوال يومك فأنت في خطر عظيم، وهذا يعني أنك تتجه نحو الفشل في المستقبل؛ فالنجاح في المستقبل ما هو إلا ثمرة الإعداد والتنظيم والاجتهاد في الماضي؛ فما زرعته في الماضي تحصده في المستقبل.

لذلك ننصحك -أخي- أن تغير نمط حياتك بشكل كامل، وأن تكون قريبًا من الله تعالى، كن حريصاً على الصلاة فلها دور في تنظيم الحياة والوقت، وأكثر من قراءة القرآن، فتعلق القلب بالله تعالى يحفز النفس للعطاء والإنجاز وأعمال الخير، وأكثر من الدعاء والتضرع لله تعالى أن يخرجك من هذا الواقع الذي أنت فيه قبل الندم حين لا ينفع الندم.

أسأل الله لك التوفيق والهداية.

المصدر

طالع أيضا

Related Posts

1 of 499