استشارات

أمي ترى أنني ضيعت مستقبلي المشرق وتقارنني بالآخرين

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة عمري (24) سنة، أنهيت الماجستير في العلوم الوراثية بعون الله في فرنسا (لمدة عام)، ثم عدت إلى بلدي وأهلي.

– حالياً أدرس الطبخ بدافع أنني أحبه وأنه من الضروريات.
– أحفظ كتاب الله -أنيسي في الدنيا والآخرة بإذن الله-، وأطلب العلم الشرعي.
– متطوعة في جمعية.
– أُدرس الأطفال الصغار.

أمي وأبي غاضبان علي؛ لأنني لم أكمل الدكتوراه، أو أبحث عن عمل (فأنا لا أريد كليهما)، فدائماً أمي تذكرني بإنجازات ونجاح صديقاتي والآخرين -بارك الله في سعيهن وعملهن-، ولكن ما عساي أن أفعل بعد أن فقدت شغفي في مواصلة الدكتوراه، لقد تغيرت وجهة نظري للحياة، ولا أحد يفهمني، فأنا لا أريد الشهادات ولا الألقاب، أحلم بزوج صالح، أسخر وقتي لنفسي وزوجي وأولادي، وأن أكون عبدة صالحة، زوجة وأماً صالحة -بإذن الله- وعونه فأربي جيلاً على عبادة الله وحده، وجنداً من جنود الله في الأرض.

بهذه الأفكار أصبحت غريبة في نظر أهلي والمجتمع، إنهم ليسوا ضد التدين -ولله الحمد-، ولكن لا يكون على حساب الدكتوراه، والمنصب والشأن العالي في المجتمع، وإني أرى أن التوفيق بين الاثنين وبإتقان أمر يفوق طاقة المرأة مهما حاولت التغطية والاسترجال، حسب التجارب التي لاحظتها في الأقارب والمجتمع.

تحت الضغوطات التي أتلقاها من أهلي -خصوصاً أمي التي ترى أنني ضيعت مستقبلي المشرق، وتقارنني بالآخرين-، بدأت أحس بالوحدة، وبدأت بالشك في نفسي، هل أنا على باطل؟ هل أظلم والدي ونفسي؟ بدأت في التمني وبشدة العودة لمن يفهمني ويحبني، ألا وهو ربي خوفاً من ضياع نفسي وديني وإيماني.

 

الإجابــة

 

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك – بنتنا الفاضلة – في الموقع، ونشكر لك حسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يُقدّر لك الخير ثم يُرضيك به، وأن يرزقك رضا الوالدين، وأن يُصلح الأحوال.

أحب أن أؤكد بداية أن الجمع بين الحسنيين ممكنٌ، أنه لا تعارض بين القيام برسالتك كأم وبرسالتك كخادمة للمجتمع في التخصص الذي تريدينه، ولا أعتقد أن إكمال الدراسات العُليا والوصول للدكتوراه – بل أعلى منها من مؤهلات علمية وبحوث – لا يُصادم أبدًا النجاح في الحياة الأسرية، وهذا هو الذي نحب أن تنتبه له فتاة الإسلام، فنحن بحاجة إلى أُمٍّ صالحة تُربّي، وبحاجة إلى معلِّمة وداعية أيضًا تُربّي، وأمثالُك من الفاضلات الموهوبات رسالتها أكبر من مجرد أسرة صغيرة، بل نحن نريد المتدينات الحافظات لكتاب الله أن يكنَّ مدرسات لطالباتنا في كُليّات الطب وكلّيات التربية وكليات الدعوة، وبهذا الإعداد الكامل والتحضير للشهادات العليا والتأهيل العلمي نُخرجُ بناتنا أيضًا من حرج شديد من وجود الرجال في حياتهنَّ العلمية.

وبالتالي أرجو أن تُوقني أن الجمع بين الأمرين ممكن، ونحن من هذا الموقع وبخبراتنا نُخبّرك عن أعداد لا تُحصى من الفاضلات الناجحات في حياتهنَّ العملية وفي حياتهنَّ الأسرية، والتوفيق من الله -تبارك وتعالى-، والمسألة تحتاج لتنظيم وقت، وريثما يأتي الزوج تستطيعين أن تقطعي طريقًا طويلاً، وإذا جاء الزوج فسيتفهم إكمال الدراسات، والمهم عندنا أن تُكمل المرأة دراستها، طالما كان عندها الفرصة، خاصة لمن تديّنت وحفظت كتاب الله، نريدها قدوة لبناتنا بعد ذلك، فإذا جاء الزوج فالزواج محطة مهمّة، والزوج أيضًا سيعرف أن دوره أن يُعين ويُعاون حتى نُكمل هذا المشوار ونُكمل هذه النجاحات.

بتاتًا لا نرى تعارضاً بين رغبة الوالدين وبين رغبتك الجميلة، والجمع بين الحسنيين ممكن بتوفيق الله -تبارك وتعالى-، وأعرفُ أُمَّهات نجحن في إكمال الدراسة وكل الأبناء والبنات يحملون أعلى المؤهلات العلمية في مختلف التخصصات، فالأسرة كلها دكاترة واختصاصيون في مجالات مختلفة، هذا نجاح لا أقول من الخيال بل هو متحقق ومشهود.

يمكنك كذلك أن تغيري التخصص إلى تخصص تحبينه وتجدين نفسك فيه -إن كان ذلك متاحًا-، مثل تخصص التربية مثلًا، فتكسبين بذلك رضا والديك بإذن الله، وتكسبين شهادة في علم من العلوم المطلوبة لتربية النشء، والتي تحبينها وترغبين فيها. نرجو أن تفكري في هذا الأمر كأحد الحلول الوسط.

لذلك أرجو أن تعودي إلى الدراسة وتُكملي مشوارها، وتجعلي مشروع الحياة الأسرية أيضًا من المشاريع الكبرى والأساسية، بل هو أعظم المشاريع، لكن الذي فهمناه أنك لا تزالين في انتظار الزوج الصالح، ونسأل الله أن يرزقك صالحًا مُصلحًا، تُعينينه ويُعينك على الطاعة، لكن ريثما يحدث هذا، وحتى بعد أن يحدث هذا لا مانع من مواصلة الدراسة ومواصلة الإنجاز العلمي ونيل الشهادات، فإذا نلت الشهادة فلك بعد ذلك أن تعملي الآن أو تعملي بعد سنة أو تأخذي استراحة مُحارب، لكنك وصلت إلى امتلاك المؤهلات التي تُؤهلك إلى عمل كبير من الإنجازات، وكثير من الإنجازات التي تخدم على الصعيد الفردي وتخدم الأسرة، وتخدم الدولة، وتخدم البلاد العربية، وتخدم الأمة، وتخدم البشرية.

نفع الله بك بلاده والعباد، ووفقك لما يحبُّ ربنا ويرضاه.

المصدر

طالع أيضا

Related Posts

1 of 499