استشارات اجتماعيةاستشارات

إخوتي يلقون علي العبء الأكبر من عمل المنزل، فماذا أفعل؟

 

السؤال

‎السلام عليكم ورحمة الله.

أنا فتاة ملتزمة، وبعمر 27 عاماً، أحب أن أسارع في الخير والبر، لأصل إلى درجة القبول والإحسان عند الله، أعيش مع أسرتي، لم أتزوج بعد، إخوتي وأخواتي يعيشون في البيت، وأنا أصغرهم سناً، ولم يتزوج أحد إلى الآن، وعددنا 10 مع والدي.

أخي الذي يسكن في شقته منفرداً، هو يأكل الغداء ويغسل ثيابه معنا، وهو صالح وجيد، وبيتنا كبير مكون من طابقين، وبعض إخوتي الذكور لا يهتمون للنظافة، ويتسخ البيت بسرعة، وليسوا متعاونين، وأحياناً يمتنعون، أو يعملون مقابل مال.

لدينا درج طويل لأربع طوابق، وعمارة لنا مع بيتنا، أمي تريده دائماً نظيفاً، وأنا جربت أن أقوم بشطفه، وظهري آلمني كثيراً ليومين، هو حقاً طويل، والماء ننقله بالدلو، اقترحت أن نستأجر عاملاً أو نقول لإخوتي هم أقوى مني، أمي تحدثت عن الأمر، وهم لا يهتمون.

ساعدني أخي مرة واحدة في نقل الدلو فقط، وقاموا بتنظيفه مرة أو مرتين فقط، ثم عدت أنا وأمي وأخواتي ننظفه، ولكي لا أظلمهم فهم يقومون ببعض الأعمال الصعبة، لكن نادراً، ويمنون علينا في ذلك، وأقول ليس كلهم، فمنهم حقاً من هو أخ جيد وصالح.

أنا أحاول قدر المستطاع العمل في المنزل، لكن هناك أمور تؤذيني، وهي فعلاً أعمال شاقة، أنا أشعر بضغط على نفسيتي، وأميل إلى الغضب، أصبحت آخذ دواء مضاداً للاكتئاب.

سؤالي هو: هل من حقي أن أخصص ساعات معينة فقط أقوم بأعمال معينة دون أن أشعر بالضغط؟خصوصاً أن أمي أحياناً تعمل لساعات أو تطلب مني أن أحرك معها أثاثاً ثقيلاً لنقله عن مكانه، وأنا أطيعها براً بها، ولا أخفيكم أني أتعب وأنضغط أحياناً، ولا أجد وقتاً لحفظ القرآن، أو تصفيف شعري، أو أرهق لدرجة يفوتني قيام الليل أو حتى الاستحمام!

بدأت أتأثر، أخاف أن أغضب، وفي نفس الوقت أحزن لحال أمي، وأحب إرضاءها لأنها لا تخرج من البيت منذ سنوات، لم تخرج لأن بينها وبين والدي خلافات، وحياتها معه كانت صعبة، وتحملت لأجلنا الكثير، وأنا قليلاً ما أخرج، وبدأت أشعر بالضغط كثيراً، وليس بيدي، مع أن نيتي لله، وأريد أن أكون من المحسنين، لكني بدأت أفكر أني أظلم نفسي، وأني يجب أن أعمل حسب طاقتي النفسية والجسدية.

هل هذا كسل أم أن تفكيري سليم؟ حاولت أن أشرح لأمي أن طاقتي لا تسمح لي بالعمل كثيراً، لم تقتنع،
ما الحل؟ كيف أوزع وقتي؟ كم ساعة أخصص لعمل البيت، وإن كانت طلبات أمي كثيرة وتعبت، فهل أستطيع أن أطلب منها أن نؤجل هذا للغد؟ علماً أننا نوزع الطهو والغسل بيننا نحن البنات، ونساعد والدتي في الغسيل

 

 

 

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

 

 

أولاً: إننا نحمد الله إليك أن منّ عليك بنعمة التواجد في أسرة متكاملة، نحمد الله أن أكرمك بوجود والديك إلى الآن على قيد الحياة، نحمد الله أن أنعم وعافاكم من سيء الأسقام، نحمد الله الكريم أن حبب إليك التدين، وجعلك حريصة على البر بوالديك، نحمد الله أن حبب إليك عمل الخير، أملاً في بلوغ درجة المحسنين.

كل هذه نعم منّ الكريم بها عليك وتفضل، ونسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يعينك على البر.

ثانياً: يقولون: من عرف قيمة ما يطلب هان عليه ما يبذل، وأنت تطلبين عظيم الأجر، وترجين الوصول إلى درجة الإحسان، وتلك مكانة عالية ومطلب ثمين، لا بد له من بذل عظيم، وإن أعظم مبذول لما تريدين برك بوالديك، وهذا الكلام للتذكير لا للتعليم، ولشحذ الهمة لا لاتهامك بالتقصير -عياذاً بالله-.

لذا أكرر على مسامعك تلك الأسباب:
1- البر بهما من أحب الأعمال وأفضلها، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي».

2- البار مبارك له عمره، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

3- بر الوالدين من أسباب تفريج الكروب: فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” « بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ،…» ”

4- البر جالب لمرضاة الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: « «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» ».

5- دعاء الوالدين مستجاب: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ»”.

6- بر الوالدين من مكفرات الذنوب، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رَجُلٌ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا كَبِيرًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَكَ وَالِدَانِ؟ »، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ خَالَةٌ»؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَبِرَّهَا إِذًا».

7- البار بوالديه في سبيل الله: فعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ».

والسؤال الآن أختنا الكريمة: هل بعد هذا الفضل من فضل؟ إن برك بوالديك احتساباً للأجر أفضل من النوافل عند التعارض.

ثالثا: نأتي الآن إلى لب سؤالك: هل توزيع الأعمال بحيث يكون لك وقت فراغ يعد من العقوق؟
والجواب: إن كان هذا باتفاق بينكما، وكانت الوالدة -حفظها الله- مستريحة، ولم يدفعها حرصها عليكم على تحمل بعض الأعباء، وهي في مثل هذا العمر، فإننا نقول لا حرج عليك -إن شاء الله- في ذلك.

 

 

هل يجب عليك بعض الأعمال المرهقة التي تتعبك؟
بالطبع لا يجب، كما لا يجب ترك الوالدة وحدها للتعب، وإنما الواجب أن الشيء الكبير يقسم على الجميع فيهون.

هل لو أخبرت والدتك أن هذا العمل ستقومين بها غداً فيه عقوق؟
الجواب: إن كان مما يجوز فيه التأخير، والوالدة لن تفعل ذلك من خلفك مما يسبب لها الإرهاق، فلا حرج.

خلاصة حديثنا: الأمر فقط يحتاج إلى ترتيب داخلي، وإلى حديث ودود للوالدة -حفظها الله-، وإلى احتساب الأجر، وثقي أن الوقت المتبقى لك مهما كان ضئيلاً سيبارك لك الله فيه، وستجدين من بركة البر ما لا يخطر لك على بال.

نسأل الله الكريم أن يبارك فيك وأن يحفظك، وأن يرزقك البر بهما، والله الموفق.

 

المصدر

إقرأ أيضا

Related Posts

1 of 499