Comments: 0 Posted by: admin Posted on: أغسطس 11, 2018

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أعاني منذ سنتين من دوخة وثقل كبير في الرأس وتعب وإرهاق، وقد أجريت فحص الدم والقلب والرأس وكل النتائج سليمة ولله الحمد، فكيف أعرف أن هذه الأعراض طبية أو نفسية أو من الممكن أن تكون حسداً أو مسّاً؟!

أفيدوني وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنك قد أشرت إلى أنك تعانين من دوار والشعور بالثقل في رأسك وشدة التعب والإرهاق التي قد تنالك، ثم سألت بعد ذلك كيف لك أن تعرفي منشأ هذه الأعراض فهل هي عضوية أم هي نفسية أم أنها من الحسد أو المس أو غير ذلك؟

والجواب: أن الذي يحرر لك أصل هذا المعنى ويبينه بياناً شافياً أن تعلمي أن جميع هذه الأمور التي أشرت إليها وهي العضوية أو النفسية أو الحسد أو المس إنما هي أعراض تصيب الإنسان، فهذه الأعراض لها مظاهرها التي تدل على منشأها، مثلاً إذا أردت أن تعرفي أن هذا الذي تعانين منه سببه أمر عضوي أم لا فلابد إذن من الفحص الطبي لمعرفة ذلك وإجراء الفحوصات التي تتعلق بالتحاليل للدم وكذلك الفحوصات للقلب والجهاز العصبي (الدماغ)، فبهذا تستطيعين أن تعرفي هل هناك سبب عضوي أم لا؟ فإذا تبين أن جميع الفحوصات والتحاليل سليمة وحسنة فقد ثبت إذن أن ما لديك لا علاقة له بالناحية العضوية، فحينئذ ينتقل إلى الناحية النفسية.

ولا ريب أن هذه الأعراض التي أشرت إليها هي من صميم الأعراض النفسية التي تتعلق بالقلق والكآبة، فإن القلق والكآبة قد يؤثران حتى يوصلا إلى مثل هذه الأعراض، لاسيما وأن طبيعة معنى الكآبة أنه مركب من الهم والحزن والتفكير المقلق، فكل هذا يوجب شيئاً من الخمول ويوجب شيئاً من الشعور بالتعب والإرهاق، وربما أدى بالشعور بالثقل في الرأس والرغبة في النوم وعدم الرغبة كذلك في الحركة وغير ذلك مما قد يصنف في الركود الاكتئابي في الاصطلاحي العلمي، هذا مع العلم بأن درجات هذا الأمر متفاوتة وليست بالخطيرة ولله الحمد على ذلك.

وكذلك الشأن فيما أشرت إليه من احتمال أن يكون حسداً أو مسّاً، فإن الحسد ثابت في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالأدلة القطعية، وكذلك المس ثابت في كتاب الله عز وجل وثابت أيضاً عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد أشرنا إلى ذلك بأجوبة خاصة وذكرنا طرفاً من الأدلة الشرعية في ذلك، ومع هذا فلابد من الانتباه هاهنا إلى أمر مهم غاية الأهمية وهو أن كثيراً من الناس إذا ما عرض لهم عارض من هذه الأعراض فإنهم يفزعون منها فزعاً شديداً، وربما ظنوا أن ذلك بسبب مس الجن أو أن ذلك بسبب الحسد، وهذا مع ثبوته شرعاً إلا أنه ليس من شرطه أن يكون هو السبب في كل ما يعرض للإنسان؛ بل لابد من ظهور العلامات الدالة على أن هذا المس، ولا يمكن الجزم بمجرد هذه الأعراض التي أشرت إليها أن هذا من المس بل الظاهر خلاف ذلك، وأما الحسد فإن العين حق، فقد خرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العين حق)، وخرج الإمام أحمد في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العين حق تستنزل الحالق) أي تضر الجبل بإذن الله عز وجل، فالصواب هو أن لا تجعلي كل هذه الأعراض مردها إلى المس وإلى الحسد، ومع هذا فلا مانع من التماس الرقية الشرعية، فإن الرقية المشروعة تشرع في ثلاثة أمور: في الأمراض العضوية وفي الأمراض النفسية وفي الأمراض التي تتعلق بالمس والحسد، فكل ذلك يتناوله قول الله تعالى: (( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ))[الإسراء:82].

فعليك إذن أن تهدئي من نفسك وأن لا تجعلي هذه الأعراض سبباً للقلق بأنك ممسوسة أو أنك محسودة ونحو ذلك، ومع هذا فسنشير إلى الرقية المشروعة في هذا الشأن، وإن كنا نرجح من حسب حالك أنك قد تعانين من نوع من القلق ونوع من الكآبة، وقد يكون مرد ذلك إلى الضغوط التي تعانينها خاصة إذا كان لديك أولاد وكان لديك بيت وأسرة، فإن كثيراً من الأحوال كالكآبة والهم والحزن التي تقع للنساء قد تكون بسبب الضغوط التي تتعلق بالناحية الأسرة أو بعض المشاكل الاجتماعية التي تعرض لها في البيت أو في الأسرة ونحو ذلك، فينبغي حينئذ التفطن إلى هذه الأسباب ومعالجتها بهدوء النفس وتجنب القلق الذي يحمل على مثل هذه الأعراض، وتتجنبي أيضاً إلى أسباب الهم والغم، ومع أنك لم تشيري إلى أعراض أخرى إلا أن من الأعراض التي تحتمل أن تكون لديك – وإن لم تشيري إليها – ضعف الشهية في الطعام وربما قادك ذلك إلى ضعف في التركيز وربما قاد إلى شيء بالشعور بالملل والسآمة والنفور من الجلوس وحيدة، بحيث أنك لا تحبين أن تجلسي وحيدة بل يكون حولك الناس وإن كنت في حقيقة نفسك لا ترغبين كثرة المخالطة فيجتمع لك الأمران معاً، فهذه من الأعراض المحتملة وكلها تدل على نوع من القلق ونوع من الكآبة – كما أشرنا – وعلاج ذلك بأن تأخذي بهذه الخطوات التي ستجدين أثرها عاجلاً غير آجل بإذن اللهِ ومنِّه وكرمه:

الخطوة الأولى: التوكل على الله جل وعلا واللجوء إليه وسؤاله الشفاء والعافية؛ قال تعالى على لسان عبده الصالح إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ))[الشعراء:80]، وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه عندما يمسح على المريض بيمينه: (اللهم رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً).

الخطوة الثانية: تجنب أسباب القلق وتجنب أسباب الانفعال والتخفيف على نفسك، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بأمر الأولاد أو أمر الزوج أو بعض المشاكل الاجتماعية أو الضغوط الحياتية التي تتعرضين لها، فحاولي أن تخففي على نفسك بأن تعرفي أن هذه الدنيا إنما هي دار للابتلاء وللامتحان وأنها لابد أن يقع فيها شيء من الأمور المقلقة وشيء من النغص، ولذلك وصف الله جل وعلا بأن الجنة دار السلام سالمة من كل آفة: (( لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[الأنعام:127].

الخطوة الثالثة: قطع الفكرة السلبية؛ فإن التفكير السلبي هو الذي يوجب الكآبة وهو الذي يوجب القلق، فلابد أن تتفطني إلى ذلك وأن تستبدلي هذه الأفكار بالأفكار الإيجابية، وحتى إذا كانت الضغوط عليك كثيراً فحاولي أن تستقبلي الأمور بشيء من الروح الإيجابي، فمثلاً إن كان لديك أولاد ينزعونك أو يقلقونك أو تخافين عليهم أو على مستقبلهم؛ فحاولي أن تعرفي أنك الآن تقومين بجهد عظيم وعبادة جليلة بتربية هؤلاء الأولاد – وهذا على سبيل المثال وإن كان ليس شرطاً أن يكون قائماً – بحيث تتعاملين مع هذا الواقع ومع هذه المشاكل التي تعرض لك بنفس منشرحة بل ومقبلة على علاجها بالهدوء والصبر حتى تنالين بغيتك، ثم اقصدي إذن تعديل التفكير من الناحية السلبية إلى الناحية الإيجابية.

الخطوة الرابعة: الحرص على أن تكوني إيجابية في التعامل عموماً، بحيث تكونين منتجة مثمرة، ومعنى الإنتاج والثمرة هاهنا المشاركة الفعالة في حفظ كتاب الله عز وجل، في الدعوة إلى الله جل وعلا، في العلاقات الاجتماعية الحسنة، في صلة الأرحام، في الصلة مع الجيران، في محاولة تطوير نفسك بتحصيل العلوم النافعة في دينك ودنياك؛ كما قال صلوات الله وسلامه عليه: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) أخرجه مسلم في صحيحه.

الخطوة الخامسة – وهي من أوكد الخطوات -: التعبير عن مشاعرك، لابد أن يكون لك قدر من التعبير عما يجول في داخلك، فإن كنت متزوجة مثلاً فعليك بأن تعبري عن مشاعرك وحبك ومودتك لزوجك، وأن تتبادلي المشاعر الكريمة، وكذلك التعبير للوالدين مثلاً أو الأخوات الصالحات سواء كنَّ أخوات الشقيقات أو كنَّ أخواتك في الله، فالمطلوب إذن التنفيس عن مشاعرك الداخلية.

الخطوة السادسة: الترويح عن نفسك وعدم الإغلاق عليها، وذلك بأن تمارسي بعض الأنشطة المفيدة كرياضة المشي، فلو أنك قمت بنظام رياضي يومي – إن استطعت إلى ذلك سبيلاً – بحيث يكون لديك كل يوم مقدار نصف ساعة لممارسة رياضة المشي؛ فإن هذا ينفس عن طاقاتك النفسية، لاسيما إذا تم ذلك مع وجود شخص تحبينه كأن تكون بعض أخواتك أو بعض أهلك أو زوجك الكريم؛ بحيث تجدين فرصة لانطلاق مشاعرك وكذلك الترويح عن نفسك، فإن مثل هذا الأسلوب يخفف من أعباء القلق والكآبة والحزن والهم – كما هو معلوم وثابت -.

ونود أن تعيدي الكتابة إلى الشبكة الإسلامية لدوام التواصل معك، ونسأل الله عز وجل برحمته التي وسعت كل شيء أن يعافيك وأن يشرح صدرك وأن ييسر أمرك وأن يجعلك من عباد الله الصالحين.

وبالله التوفيق.