استشارات

ماذا أفعل لأعيد ثقتي بنفسي؟ وكيف أعود إلى الله؟

السؤال

السلام عليكم..

كنت أتصفح الإنترنت لعلي أجد حلا لوضعي، فوجدت بالصدفة موقعكم فأحببت أن أستشيركم.

عمري 23 سنة، طالبة دراسات عليا ماجستير، أعاني من ضغط نفسي وأسري كبير، أحاول بشتى الطرق ودائما ما أتفاءل وأواجه كل المشاكل التي تعرض لي، على أمل بالله عز وجل أن القادم أفضل بإذن الله، ومن كل انكسار أرجع أقوى والحمد لله.

لكنني هذه المرة أشعر وكأنني فقدت الثقة بنفسي بسبب الظروف التي أعيشها، حتى أنني لا أملك فرصة للدراسة، وأحاول السهر في الليل كي أدرس، ولكنني عند الامتحان أتوتر جدا ولا أحصل على علامة جيدة.

أشعر باليأس وأبكي، وأنني لن أقاوم وسأفشل، لاسيما وأن الكثيرون من أقرب الناس ينتظرون فشلي، لكنني حقا أشعر بأنني لا أستطيع المتابعة.

بدأت أهلوس في نومي بالامتحانات ومشاكلي النفسية والضغوطات، أخاف أن أصاب بحالة اليأس والاكتئاب، كما أني مقصرة بحق الله عز وجل، وأكره هذا في نفسي، كم أتمنى لو أرجع وألتزم بصلاتي وقراءة القرآن، لكنني لم أستطع، وكأن شيئا قويا يمنعني.

أخلاقي عالية، ولباسي محتشم، والجميع يحترمني، لست إنسانة سيئة، عندما أدعو الله أخجل من نفسي وأشعر بأنني لا أستحق الدعاء، أدعوه وأقول: ربي أعلم أنني لا أستحق ذلك، لكن يا رب كن عونا لي ووفقني.

أقارن نفسي بالأخريات عندما يحصلن على العلامات الممتازة، وأنا لا أفرق عنهم بذكائي ودراستي ومجهودي، أشعر بأن الجميع أفضل مني.

حاولت ترك دراستي، لكن أهلي لم يقبلوا، هذا الفصل إن لم يرتفع معدلي فسأفصل، وقدمت امتحانين إلى الآن ونفس النتائج، لم أعد أشعر برغبة بالدراسة أو حتى الجلوس والاختلاط بعائلتي؛ لأنهم السبب الرئيسي لضعف دراستي.

أكره المنزل، وأكره العودة إليه، وبدأت أكره نفسي، لا أعرف ماذا أفعل؟ وكأنني أغرق ولا سبيل لنجاتي.

دلوني ماذا أفعل لأعيد ثقتي بنفسي؟ كيف أعود إلى الله؟ هل من الممكن أن تتغير نتيجتي؟ هل سأستطيع الوقوف وأتعدى هذه الأزمة أيضا؟ هل سأنجح أم سأفشل؟ فليس لدي أحد يقف بجانبي، فأنا أدعم نفسي بنفسي، ولكن هذه المرة فشلت بذلك، وأظن أن التراكمات زادت حتى فقدت السيطرة على همومي وأحزاني.

 

الإجابــة

 

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

لا تجعلي اليأس يتسلل إليك ولا التشاؤم، طالما كنت في السابق مؤمنة ومتيقنة فلا تجعلي الإحباط ينال منك، واصلي الاعتماد على نفسك، واصلي الالتزام بالصلاة وقراءة القرآن والدعاء، فكل هذه الأشياء تؤدي إلى الطمأنينة ونيل المراد.

الشيء الآخر: ابتعدي عن المقارنة بينك وبين الآخرين، فقد يتفوقون في الماجستير، ولكن عندما تحصلين على الماجستير قد تتفوقين في العمل، فلا تدرين ماذا يحمل لك المستقبل؟

دائماً اعملي ما تستطيعينه ولا تقارني نفسك بالآخرين، ونظمي وقتك، واجعلي لك أولويات في المذاكرة وفي العمل، وابدئي بأشياء صغيرة إذا حققتها فهذا سوف يزيد الثقة في نفسك، مثلاً يمكنك أن تحددي مثلاً أنك في الأول سوف تقومين بالمذاكرة لمدة ساعة يومياً، وإذا تمكنت من إتمام الساعة فبعد كم يوم زيديها مثلاً إلى ساعة ونصف ثم إلى ساعتين، كلما تنجزين كل ما تزيد الثقة بنفسك، وتتحسن أحوالك.

-أختي الكريمة-: لا أدري هل كل أهلك هم المشكلة أم جزء منهم؟ فلا بد أن يكون هناك فرد من أفراد العائلة داعماً لك وتثقين فيه، فحسني علاقتك معه، أو إذا كان عندك صديقات أيضاً فيمكن اللجوء إليهم والتحدث معهم وإيجاد الدعم منهم، لا يمكن أن لا يكون هناك في محيط العائلة أو الأصدقاء من يحبون مساعدتك ويطلبون لك الخير، فالناس كلهم ليسوا سواسية، فيهم الأخيار وفيهم الأشرار، وفقك الله وسدد خطاك.
___________________________________________________
انتهت إجابة الدكتور استشاري الطب النفسي وطب الإدمان-.
وتليها إجابة المستشار الشرعي
___________________________________________________
– بارك الله فيك –أختي العزيزة– وأشكر لك حسن ظنك وتواصلك مع الموقع, وتحليك – بفضل الله عليكِ – بالأخلاق العالية والحشمة, سائلاً الله تعالى أن يلهمك الصبر ويرزقك التوفيق والسداد.

– من الجميل حرصك على النجاح واستعادة الثقة بنفسك وعودتك إلى ربك سبحانه, وهو دليل على توفر حسن الدين لديك, كما أن إصرار أهلك على دراستك ونجاحك أمر إيجابي يشكرون عليه وإن قصّروا في أمور أخرى, فلا تبالغي في لوم نفسك وأهلك والشعور باليأس والاكتئاب, أو تقارني نفسك بغيرك, فكل ميسّر لما خُلق له, ولينظر الإنسان إلى من هو أدنى منه؛ فإن ذلك جدير ألا يزدري نعمة الله عليه, كما في الحديث الصحيح, حفظك الله وعافاك.

وأما بخصوص إخفاقك في دراستك, وعدم حصولك على الدرجات والعلامة المرجوّة, فالذي يلزم لتعيدي ثقتك بنفسك والعودة إلى ربك سبحانه – والله المستعان – الالتزام بالأمور التالية:

– حسن الظن به سبحانه والثقة بالنفس وتنمية الإيجابيات والقدرات وتحسين نقاط الضعف والتحلي بالشجاعة واكتساب مهارات جديدة، وتجاوز العراقيل التي تعلمينها؛ مما قد تحول دون نجاحك, فثقي بأن الأمر متاح وممكن ويسير، فما عليك إلا الاستعانة بالله والثقة به ثم بنفسك وبقدراتك, وتحويل الجوانب والتي قد تكون لديك سلبية إلى طاقة إيجابية ومنطلقاً للإبداع والتحسين من النفس والعمل ومقوماً وناصحاً ووسيلة للتنشيط والفاعلية لحياة أكثر أثراً وأعم نفعاً بإذن الله, فلا تيأسي ولا تستسلمي, وحاولي أن تستغلي شبابك وحياتك وفراغك فيما يعود عليك بالمنفعة, فأمامك الوقت لبناء حياتك وتنمية شخصيتك. فالمرء حيث يضع نفسه.

“وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ** ففي صالح الأعمال نفسك فاجعلِ”.

– تنمية الإيمان بلزوم الذكر والصحبة الصالحة والطاعة وقراءة القرآن, والنصر والتوفيق في الإمكان بإذن الرحمن, وهو حليف الإتقان والشجعان.

– لزوم الجد والاجتهاد والمثابرة والمصابرة لله تعالى, فلا تستثقلي مشاق الدراسة والتحصيل, فمن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة, (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
“إذا غامرت في أمرٍ مرومِ ** فلا تقنع بما دون النجوم
وما نيل المطالب بالتمني ** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قومٍ منالٌ ** إذا الإيمان كان لهم ركابا”.
ونحن أناسٌ لا توسّط عندنا ** لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ** ومن خطب الحسناء لم يغله المهرُ.
“ألا بالصبر تبلغ ما تريد **وبالتقوى يلين لك الحديد”.

– لزوم الصحبة الطيبة ذوي الهمم العالية , فابحثي عن أصدقاء إيجابيين يدعمونك ويثنون على جهدك ويدفعونك إلى الأمام, وصاحبي من تأنسين فيهم الأمانة والمروءة والأدب والخير, ولن تُعدمي من توفر ولو القليل أو الواحد منهم, وتجنبي من ترى في مجالسته ما يكدّر عليك صفو حياتك وسعادتك.

– لا تلتفتي أو تبالي بكلام الناس ونظرتهم, وإياكِ والعزلة فإنها تعمّق المتاعب النفسية وقد أمرك الله تعالى بتحصيل السعادة والراحة النفسية وفق التعاليم الإسلامية (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) وحاولي أن تكوني سعيدة ببذل الأسباب المؤدية للسعادة كالحرص على جمال ونظافة وترتيب الجسم والملابس والبيت, وابتعدي عن الأصدقاء السلبيين ونظرتهم المحبطة للحياة وشاركي بالحوارات وتبادل الآراء والبعد عن كل ما من شأنه الهبوط بالهمّة وتضييعها مثل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وكثرة الزيارات للأقارب والأصحاب أو الإغراق بالجدل والخلافات إذا خلت عن الأهداف الشرعية والمصالح النافعة, وتحاشي كثرة الاستمتاع بالمباحات والملهيات.

– الحرص على تنظيم الوقت وحسن إدارته, والحذر من آفة الكسل والفتور والتسويف من أعظم أسباب النجاح والتفوق والتميز والإنتاج, فلا عجب أن يكون من أعظم دعائه صلى الله عليه وسلم قوله : (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن, وأعوذ بك من العجز والكسل, وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال). (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ) رواه البخاري.

“ولا أؤخر شغل اليوم عن كسلٍ ** إلى غدٍ , إن يوم العاجزين غدُ”.

– اطرحي مخاوفك جانباً, وتغلبي على شكوكك واطردي الأفكار السلبية حفاظاً على صحتك النفسية, وصفي ذهنك وتحرري من القلق والشعور بالضعف, فإن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف…احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ولا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل) رواه مسلم.

– استعيني بربك وتوكلي عليه، وتيقّني بقدرتك على النجاح وتحقيق غاياتك وأهدافك النبيلة والجميلة. (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

– وأخيراً .. فمن المهم أن لا تفرطي أو تبالغي بالشعور بالهم والحزن والقلق والاكتئاب, فليست الدراسة أو الدنيا أخر المطاف, وكثير من الناس من يخفقون في جانب, إلا أنهم ينجحون في جوانب أخرى, وما عليك إلا واجب الدعاء والاجتهاد, والتوفيق بيد الله سبحانه (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون), وعليك الإيمان والتسليم لقضاء الله وقدره, فالإنسان لا يدري أين تكون مصلحته, والإصرار على القلق ليس له من جدوى إلا زيادة الآثار السلبية والنفسية.

– ولا أجمل وأعظم – أختي العزيزة حفظك الله – من اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء الصادق, قال تعالى: (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء), فاسأليه سبحانه أن يقوّي عندكِ الحفظ والفهم، وأن يصرف عنكِ عوائق النجاح والتميّز, (وقل ربِّ زدني علما).

– أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد وأن يلهمك الهدى والخير والصواب ويهديك سبل الرشاد وأن يمنّ عليك بما يحب ويرضى, ويسعدك في الآخرة والأولى. والحمد لله رب العالمين.

المصدر

طالع أيضا

Related Posts

1 of 499