استشارات امراض الجهاز العصبي

العصبية والحساسية الزائدة بسبب انخفاض الدرجات

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا فتاة أبلغ من العمر (21) سنة، أعاني من مشكلة، وأحتاج للمساعدة، كانت نسبتي في الترم الأول في اختبارات الثانوية العامة (93) وانخفضت إلى (78) وأثرت فيّ كثيراً، وكان حلمي أن أدخل الطب، وكرهت الناس من حولي، وأيضاً نفسي، أصبحت فتاة عصبية، حساسة، وحاولت الانتحار 3 مرات، وذهبت إلى الأطباء فقالوا لي اكتئاب حاد.

وأصبحت أخاف من أبي لأنه ضربني بعد النسبة، مع العلم أنني مصابة بالصرع، وأستخدم تجرتول، وأيضاً نومي أصبح ثقيلاً جداً، ومضى على تخرجي من الثانوية العامه 3 سنوات، ولم أتخط الصدمة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فحاولي دائماً أن تسألي الله تعالى التوفيق والسداد.

الاكتئاب أو الحالة المزاجية السلبية التي أصابتك هي في الواقع نوع من عدم القدرة على التكيف؛ حيث أنك استعظمت انخفاض نسبتك في الامتحان للدرجة التي شكلت صدمة نفسية، كان ولا زال من المستحسن أن لا تنظري لهذا الإخفاق البسيط بهذه المبالغة، ولكن بالطبع لك العذر حيث أنك في سن تؤثر فيها الصدمات الحياتية حتى ولو كانت بسيطة.

هذا بالطبع يجعلني أدعوك لنظرة متفائلة حول المستقبل، فما مضى هو تجربة ليس من الضروري أن تكون كلها فاشلة، والتجارب دائماً يستفاد منها لتطوير الحاضر والمستقبل، وهذا هو الذي يجب أن تتخذيه منهجا في حياتك، هنالك أشياء كثيرة يمكن أن تقومي بها، فيمكن أن تواصلي الدراسة في أي مرفق تعليمي مناسب، ودراسة الطب قد تكون أُمنية للبعض، ولكن الذي أراه أن دراسة ما يحتاجه سوق العمل هو الأفضل، فكم من الأطباء الآن عاطلون عن العمل؟ كم من الأطباء الآن يعملون في أعمال لا علاقة لها بالطب؟ أعرف الكثير من الذين تخرجوا من الطب، وقد ندموا على ما أضاعوه من جهد وسنوات، بجانب ذلك الإنسان بالطبع لا يعرف أين الخير؛ ولذا دائماً علينا أن نسأل الله تعالى الخير عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

أيتها الفاضلة الكريمة: محاولات الانتحار خطأ كبير، وأنا أعرف أنك لا تودين قتل نفسك؛ لأن هذا حرام ومؤلم لمن حولك، فأرجو أن لا تفكري في محاولات الانتحار مطلقاً، فهو لعب بالنار وإثم عظيم، وأنت لديك أشياء جميلة في حياتك يجب أن تعيشي من أجلها.

مرض الصرع يمكن علاجه بالمواظبة على الدواء والتجراتول دواء فعال، وما حدث لك من زيادة في النوم قد يكون ناتجا من الحالة الاكتئابية؛ ولذا عليك بتناول أحد الأدوية المضادة للاكتئاب والتي تزيد من النشاط الجسدي، وأفضل دواء في هذا السياق هو عقار بروزاك، أرجو أن تتناوليه بجرعة كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر، وهذه مدة كافية جداً، وعليك بتنظيم ساعات النوم وإدارة الوقت بصورة جيدة، وممارسة أي نوع ممكن من الرياضة، فكلها مفيدة في مثل حالتك.

وبالله التوفيق.

انتهت إجابة الدكتور محمد عبد العليم المستشار النفسي، تليها إجابة الشيخ أحمد الهنداوي لمزيد فائدة.

___________________________________________

فإن أي إنسان قد يكون له آمال يود تحقيقها لا سيما إن نمَت معه منذ نعومة أظفاره، فهاهي فتاة في زهرة شبابها تنتظر الأيام التي تتخرج فيها من الثانوية لتدخل دراسة الطب ولتكون بعد ذلك طبيبة فتسمع أهلها يفرحون بها ويفتخرون بها ويقال (الدكتورة فلانة) وتتخيل نفسها وهي تلبس الرداء الأبيض في عيادتها وهي تعالج أخواتها المؤمنات أو تعالج الأطفال الصغار وتشعر أن هذا العمل وهذه الرغبة هي جزء من حياتها.. فهذا أمر يشعر لأي إنسان، فهذه تريد أن تكون مدرسة تعلم الأطفال، وتلك تريد أن تكون مدرسةً أيضاً ولكنها تعلم الفتيات في المستويات الأخرى، وهذه تريد أن تكون طبيبة، وتلك تريد أن تكون مهندسة… كل ذلك أماني مباحة قد أباحها الله تعالى لعباده.

ولكن ما هو موقف المؤمنة العاقلة الكيسة عندما يحصل لها أمر يخالف رغبتها؟ هل تقف موقف اليائس المحطم الذي قد أصابه الإحباط بل تحاول قتل نفسها وإزهاق روحها؟! هل هذا هو الموقف السليم؟!! فتأملي فيما لو أنك حاولت قتل نفسك أنك قد تم لك ذلك، كيف سيكون حالك؟ كيف ستلاقين ربك؟ بماذا ستواجهينه وقد أزهقت روحك؟ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري أن رجلاً قد قتل نفسه فقال الله تعالى في الحديث القدسي: (عبدي بادرني بنفسه قد حرمت عليه الجنة).

وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه – أي يطعن بها بطنه – في جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن احتسى سمّاً فسمه في يده يحتسيه في جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) فهل تريدين هذا المصير؟ هل تريدين أن تكوني قد شملك قول الله تعالى: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ))[النساء:29-30]. هذا عدا الفضيحة في الدنيا، فإن كثيراً من الناس قد لا يتصور أن هذا قد تم لأجل الإخفاق في الدراسة وربما حصل القيل والقال، هذا عدا موقف أهلك الذي ستصيبهم أزمة عظيمة وصاعقة تنزل عليهم، إذن فلابد من إدراك خطورة الأمر، ولابد من أن تعرفي أن ما أصابك هو نزغ عظيم من الشيطان وكيد قد أوقعك فيه حتى جعلك تيأسين من رحمة الله، وأنت بحمدِ الله لست كذلك.

إن عليك أن تدركي تماماً أن الإنسان قد يُحرم بعض ما يشتهيه وله في ذلك المصلحة الكاملة، فقد تكون مصلحته العظمى ألا يكون طبيباً مثلاً. فإن قلت: وكيف ذلك؟ فالجواب: كم من طبيبة قد تخرجت ثم بعد ذلك مرت عليها السنة تلو السنة حتى أنهت دراستها، ثم بعد ذلك دخلت في العمل وفي جانب المستشفيات أو العيادة الخاصة أو غير ذلك من الأعمال، ثم السنة تلو السنة حتى وجدت نفسها قد أصبحت عانساً لا زوج لها وفقدت فرصتها في الحياة السعيدة وأصبحت تتمنى أن يتقدم إليها أي إنسان حتى ولو كان بعيداً.. كم من امرأة توظفت في وظيفة مرموقة ثم كان ذلك سبباً في فساد دينها وأخلاقها، وهذا لا يعني أن أي طبيبة يحصل لها هذا وإنما المراد التمثيل بأن الله جل وعلا قد يحجب عنك بعض الأمور التي ترغبين بها برحمته بك، ولذلك قال تعالى: (( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ))[البقرة:216].

فهذا هو نظرك يا أختي، لاسيما وأنت – بحمد الله – قد أقبلت على دراسة أخرى ولازلت مستمرة في الدراسة وعمَّا قريب لعلك أن تتخرجي – بحمد الله عز وجل ومنِّه وفضله – فلا داعي إذن لهذا الإحباط ولا لهذا اليأس ولا لهذا القنوط الذي أصابك، بل عليك أن تقبلي على رحمة الله الواسعة وأن تشكري ربك، انظري إلى النعم العظيمة التي لديك: إنك بحمدِ الله فتاة عفيفة كريمة لا تلهثي وراء الرجال لأجل الحرام، إنك بحمدِ الله فتاة قد آتاك الله جل وعلا صفات حسنة فأنت صاحبة فضل في خلقك وفي صورتك – إن شاء الله تعالى – وإنك صاحبة جهد أيضاً في تحصيل الخيرات وهمتك العالية جعلتك تتأسفين على فوات حظك من الدنيا ولكن نزغ الشيطان قد جعلك تبالغين في ذلك حتى أصابك الاكتئاب الحاد والقلق الشديد بسبب درجات في الحقيقة هي درجات متوسطة وليست بمتدنية ولا مرتفعة.. نعم كنت تأملين أن يكون الأمر أعظم من ذلك وأفضل وصدمت بصدمة نفسية لأجل ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يقضي ما يشاء.

فعليك أن تدركي هذا الأمر، وعليك أن تعلمي أن الإنسان ليس من شرطه ألا يقع ولكن ينبغي له ألا يستديم الوقعة وأن يهب واقفاً ليستمر في سيره؛ ولذلك قيل: “لكل جواد كبوة”. وهذه – بحمد الله – ليست بكبوة في الحقيقة ولكن هذا يقال لأجل أن تتضح الصورة لك، فالمطلوب منك الآن هو جملة خطوات، فالخطوة الأولى هي:

1- التوبة إلى الله لكل ما وقع منك من محاولة قتل نفسك أو محاولة أذيتها، فعليك أن تتندمي على هذا الفعل وأن تعزمي عزمتك على التوبة إلى الرحمن الرحيم جل جلاله.

2- الحرص على حسن التوكل على الله، فاملئي قلبك بحب الله، املئيه بحب الصلاة، إن هذه الدنيا على حجمها لا تساوي عند الله جناح بعوضة – يا أختي – فهل يستاهل منك أن نزلت درجاتك شيئاً ما عند تخرجك من الثانوية أن تيأسي من هذه الحياة برمتها؟! إذن فتحتاجين إلى توبة أخرى إلى الله جل وعلا وأنت الفتاة المؤمنة الفاضلة.

3- الترويح عن نفسك وإجمامها، وذلك بالأخذ بالطيبات المباحة وبتزيين غرفتك، بالعناية بمظهرك بين أسرتك وأهلك، باستعمال الطيب في أماكنه المشروعة بين أهلك وأخواتك، بأن تمارسي الرياضة الخفيفة كرياضة المشي فإنها تفيدك كثيراً في هذا الجانب بحيث تبدئي بمقدار نصف ساعة كل يوم – إن أمكن ذلك – لاسيما إن وجدت فرصة بمرافقة أختك أو أمك أو بعض من تحبين من صاحباتك الطيبات الصالحات.

4- المحافظة على صلواتك والمحافظة على طاعة الرحمن، كوني قريبة من الله جل وعلا عاملة بطاعته، فهذا هو الذي يرزقك الطمأنينة؛ قال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ))[الرعد:28]. كوني قريبة من ربك لتنالي الأمن؛ قال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ))[الأنعام:82]. إذن فلكي تنالي الحياة الطيبة لابد أن تكوني قريبة من الله بالمحافظة على صلواتك، بغض بصرك عن الحرام، بالتزام الواجبات الشرعية والبعد عن المحرمات لتنالي الحياة الطيبة: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[النحل:97].

5- شغل نفسك بالأنشطة المفيدة، كوني منتجة مثمرة، داعية إلى الله، فها أنت توزعين الأشرطة الإسلامية والكتيبات النافعة، وها أنت تعدين بعض البحوث في مجال دراستك الحالية وتقدمينها إلى مدرساتك لينظروا فيها، وها أنت تشاركين في الأنشطة الخيرية.

فحاولي أن تجددي من طبيعة حياتك، وأن تجددي الأمل بالله عز وجل، ولا تلتفتي إلى نزغ الشيطان بل استعيذي بالله منه، ونحن واثقون أنك قادرة على الخروج من هذه الحالة بكل يسر وسهولة – بإذن الله عز وجل – ونود أن تعيدي الكتابة إلى الشبكة الإسلامية بعد أسبوعين لدوام التواصل معك مع ذكر النتائج التي توصلت إليها مع التكرم بالإشارة إلى رقم هذه الاستشارة، والله يتولاك برحمته ويرعاك بكرمه، ونسأل الله عز وجل لك التوفيق والسداد وأن يشرح صدرك وأن ييسر أمرك وأن يجعلك من عباد الله الصالحين.

وبالله التوفيق.