السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
أكتب لكم أيها الأفاضل بعد أن استبد بي اليأس والإحباط لعلني أجد لديكم حلاً لمشكلتي.
أنا متزوجة منذ عام تقريباً، وعمري الآن 26 سنة، في بداية زواجي كنت أشعر بالخجل أثناء المعاشرة الجنسية، وكان زوجي لطيفاً معي، وكنت أستشعر أنه سعيد بهذا الخجل، ثم بعد فترة أصبح يشكو مني ويقول لي إني باردة ولا أستجيب لمشاعره، والحقيقة أنني كنت أنفعل ولكن أستحي بعض الشيء من إظهار انفعالاتي، بعد فترة وبعد أن أعتدت عليه زال الخجل عني وأصبحت أعبر عن رغباتي وتأثري أثناء المعاشرة بشكل كبير، وصدرت عني بعض الحركات أو الأفعال التي تعبر عن وصولي لقمة النشوة، وكانت وليدة اللحظة، ولكنها فتحت علي أبواب الجحيم، وجدته ينظر لي بنظرات لوم وعتاب شديدة! ثم قال لي: من أين أتيتِ بهذه الحركات؟ ومن أين تعلمتها؟ وكان ينهرني بشدة! فأقسمت له أنها مجرد رد فعل لشعوري بالمتعة لا أكثر ولا أقل، ومنذ ذلك الوقت أصبح يعاملني بجفاء شديد، وأصبح يتهرب من معاشرتي، أو يقوم بعمل المقدمات معي ثم يتركني أتعذب، ومنذ شهرين تقريباً انقطع عن معاشرتي تماماً.
أصبحت أشعر بآلام شديدة في ظهري وعمودي الفقري وصداع دائم ومرارة في الحلق.
أفيدوني بارك الله فيكم وأرشدوني كيف أتعامل مع هذه المصيبة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فإن هذه المشكلة التي أشرت إليها لها أسبابها الظاهرة والخفية، وسببها الظاهر هو أن زوجك عندما حصل لك هذا التغير الطبيعي الذي أصبحت تعبرين فيه عن مشاعرك بل عن فطرتك التي جبلت عليها حصل له شيء من الشك في هذه التصرفات، ولذلك صرح لك بهذا السؤال حيث قال لك: (من أين أتيت بهذه الحركات ومن أين تعلمتها؟)، وكان أيضاً ينهرك بشدة، فهذا الأمر يدل على أنه وقع في نفسه شيء من الشك عفا الله تعالى عنه – وهذا الأمر يا أختي يحتاج منك إلى علاج هادئ ولطيف مع زوجك الكريم، فهو محب لك حريص على أن يكون صاحب زوجة عفيفة كريمة – كما هو شأنك ولله الحمد – بل إنك كان لديك من الحياء الفاضل العظيم الذي كان يمنعك حتى من أن تُظهري بعض ما جبلت المرأة على إظهاره في هذه الحالات، وهذا أمر يحتاج منك إلى أن تجلسي مع زوجك بهدوء ولطف وأن تتكلمي معه من الناحية الشرعية في هذا الأمر، بل إننا لا مانع لدينا من أن تعرضي عليه هذا الجواب مع هذا السؤال الكريم لأنه الظن به -حفظه الله تعالى ورعاه– أنه حريص على الحق وحريص على اتباعه وأنه سيمتثل أمر الله جل وعلا، كما قال تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ))[الأحزاب:36]. والظن به أيضاً الخير والفضل.
فأصل ذلك أن تبيني له أن هذه المشاعر الإنسانية التي تظهر عند الجماع بين الرجل والمرأة هي أمور فطرية لا تحتاج إلى تعليم ولا تحتاج إلى تدريب، فكيف يتدرب الإنسان على فطرته، فهي كالجوع والعطش، ألا يشعر الإنسان بهما بمجرد وجودهما؟ فكذلك أمر المتعة بالحلال بالجماع، ولذلك ذكر الله تعالى هذا المعنى بالإشارة فقال تعالى: (( وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ))[النساء:21]، أي أن الرجل يفضي إلى المرأة والمرأة تفضي إليه، ولذلك يحصل بينهما من المداعبات والملاعبات وإظهار التغنج وإظهار الدلال من جهتين، عدا ما يظهر بينهم من أصوات وطريقة الاستجابة التي تدل على سلامة الفطرة وتدل على أن الزوج بحمدِ الله قد نجح في إيصال زوجته إلى اللذة الحسنة التي تسعدها، بل إن الله جل وعلا وصف نساء الجنة بوصف عجيب نود أن تطلعا عليه كلاكما، قال تعالى: (( إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا ))[الواقعة:35-37]، فأخبر جل وعلا أنه أنشأ نساء الجنة إنشاءً، فجعلهنَّ أبكاراً كلما حصل بينها وبين زوجها عادت بكراً كما كانت، فهذا في أمر الجنة، ثم قال جل وعلا: (عُرُبًا أَتْرَابًا) وعُرب جمع عَروب، وهي المرأة التي تتودد إلى زوجها، أي تظهر مودتها، فالعروب هي المرأة المظهرة لمودتها ولحبها ولغنجها ولدلالها لزوجها، فهذا هو الأمر الذي ينبغي أن يُعرف في هذا الأمر.
وأما أن يشار إليك من أين تعلمت هذه الأمور وأن ينهرك، فهذا كلام فيه نظر من الناحية الشرعية، فلا ينبغي أن يتعامل معك بهذا الأمر – كما لا يخفى على نظرك الكريم – لأن هذا الأمر أمر فطري، فكما يتأثر هو ويظهر هذه الأمور فكذلك أنت تتأثرين وتظهرينها بحكم الفطرة وبحكم ما جُبلت عليه، فأمر إظهار المشاعر عند الجماع خاصة هو نظير إظهارها عند الجوع والعطش، فكما يجوع الإنسان ويشعر حينئذ أنه لابد أن يأكل فكذلك تظهر منه هذه الآثار كاستجابة طبيعية فطرية، فلابد أن يصل لنظره الكريم هذا المعنى حتى يزول هذا الإشكال، فإنه لا يحل له أن يمنعك من حقك الشرعي بالجماع وأن يتركك كما أشرت الشهرين تقريباً دون أن يحصل بينكم جماع، فإن هذا من الضرر، فإن كنت تتضررين بذلك – كما هو ظاهر من حالك – فهذا أمر يحرم عليه، فإن جماع الزوجة الذي يزيل ضررها واجب على الزوج وهو من حقوقها الشرعية، قال تعالى: (( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))[البقرة:228] فلابد أن يوضع الأمر أمام نظره الكريم بلطف ورفق وأن تشرحي له هذه الأمور؛ لأن هذا الأمر إنما صدر منه نظراً لعدم الاطلاع من الناحية الشرعية ومن الناحية النفسية أيضاً، وهذا أمر قد يقع لكثير من الرجال، وهذا دليل على عفافه ودليل على فضله وخيره، ولكن أيضاً لا ينبغي أن يكون أسلوبه في التعامل على هذا النحو – حفظه الله تعالى ورعاه – فطريق الصواب في هذا يا أختي هو أن تعدي عشاءً لطيفاً لزوجك وأن تجلسي معه وأن تطرحي معه هذه المعاني بلطف ورفق وأن تبدئي معه بتحكيم شرع الله جل وعلا في هذا الأمر، وأن تبيني له أنك قد تضررت منه.
وأما ما أشرت إليه من الآلام من الصداع والمرارة في الحلق أو الغصة بل حتى الألم الذي قد يصيبك في ظهرك كل ذلك قد يكون ذا منشأ نفسي، وهو من أعراض الكآبة التي تحصل بسبب الهم والغم، فإن من أعراض الكآبة أن الإنسان قد يجد نفسه متألماً في بعض أعضائه كالآلام في الظهر أو في الجنب أو مغص في البطن، بل ربما كان لديك بعض الأعراض الأخرى التي لم تشيري إليها وذلك كقلة الشهية للطعام وكالأرق عند النوم، وكالشعور بالإحباط، والشعور كذلك بعدم القدرة على النشاط، فكل ذلك من أعراض الإحباط، فينبغي لزوجك الكريم أن يطلع على هذا الأمر اطلاعاً حسناً، ولابد من تحكيم شرع الله جل وعلا في هذا الأمر، فإن طريقته في التعامل معك على هذا النحو هي طريقة غير جائزة، هذا بناء على وصفك الذي قد أشرت إليه، فإن الأمر إنما مداره على ما تقدمت به من الأوصاف والوقائع التي أشرت إليها.
فبيني له ذلك بالأسلوب الشرعي الرفيق اللطيف الذي أشرنا إليه، ثم أعيدي الكتابة إلى الشبكة الإسلامية بعد أسبوعين لمتابعة التواصل معك، مع الظن بكم جميعاً الخير والفضل والظن كذلك بزوجك الكريم أنه يستجيب لأمر الله عز وجل وأمر رسوله – صلوات الله وسلامه عليه – ونسأل اللهَ أن يشرح صدوركم وأن ييسر أموركم وأن يجعلكم من عباد الله الصالحين وأن يوفقكم لما يحبه ويرضاه، وأن يزيدكم من فضله.
وبالله التوفيق.
