Comments: 0 Posted by: admin Posted on: أغسطس 11, 2018



حين تجتمع المعرفة مع الإرادة يكون التغيير نحو الأفضل،



هذا ما حدث مع أخصائية التغذية سهى خوري التي استفادت مما تعلمته في كلية ماونت ماري الأمريكية عام 1989 حول الغذاء لا الدواء لحياة صحية، فسارت على هذا الدرب، فلم تر غيره لها ولأسرتها وللناس من حولها، فهي تقدم النصيحة لكل من يطرق باب عيادتها في القدس، وتخاطب الجمهور الواسع من خلال زاويتها الأسبوعية في صحيفة القدس، فارتبط اسمها منذ أكثر من 15 عاماً بالصحة والرشاقة والوعي الغذائي.

وفي بيت العائلة المزين بشجرة عيد الميلاد المجيد، ومع رشفات سريعة من فنجان القهوة مع الحليب غير المحلى، تحدثت سهى لآفاق البيئة والتنمية عن قصته مع الغذاء السليم والذي كان توجهاً منذ الصغر دُعّم أكاديمياً في الولايات المتحدة، بلد التناقضات حيث العلم والجهل، الجيد والرديء، فاستزادت من خلال دراستها في الجامعة عن “الغذاء والأمراض”، وأمسكت مفاتيح الصحة المرتبطة بشكل مباشر بالغذاء والسلوك البشري، فعادت للوطن وفي جعبتها ثلاثة استنتاجات ان تم إتباعها ستنعم مجتمعاتنا العربية بحياة أفضل، وهي: تعزيز السلوكيات الغذائية الصحيحة في التراث العربي، تغيير السلوكيات الغذائية العربية الخاطئة ومحاربة السلوكيات الدخيلة بفعل العولمة.

سهى أم أرملة لصبية شابة، حين عادت أوائل التسعينيات للوطن وأنشأت أسرة، طبقت النظام الغذائي السليم كأسلوب حياة. في البداية كان الأمر يتطلب تفكيراً ومراجعة للأمور، لكن مع مرور الأيام والسنوات أصبح جزءاً من حياتها لا غنىً عنه.

الأكل الجماعي على المائدة… عملة عربية نادرة
شددت سهى على عودة العادات العربية الغذائية التي تعد قيمة صحية، متخوفةً من اختفائها مع الزمن مثل الطبخ بالقمح والبرغل بدل الأرز الأبيض، والتحضير البيتي للوجبات دون الاستعانة بمواد كيماوية أو حافظة، استخدام البهارات الطبيعية بدلاً من الماجي وعادة الأكل الجماعي التي أصبحت عملة نادرة اليوم في زمن عولمة التلفاز، الحاسوب، الانترنت…الخ، لافتةً في الوقت نفسه إلى العادات القديمة الخاطئة مثل الإكثار من الوجبات المليئة باللحوم والسمن الحيواني والأملاح.
قالت سهى:

” الطعام ليس لسد الجوع فقط، بل ملتقىً للترابط الاجتماعي العائلي والتواصل والحوار، وما نراه اليوم من غياب المائدة المشتركة بين أفراد العائلة، زاد من التوتر والشعور بالغربة والوحدة”

البيئة أكبر تحدٍو
عن التغذية الحالية وخاصةً للأطفال أوضحت سهى بأن التحدي الكبير في البيئة، فدور الأهل أصبح في غاية الصعوبة في ظل انتشار هذا الكم من المنتجات الرخيصة والرديئة، فتزداد الأمراض كرد طبيعي لبيئة غير طبيعية. فأينما اتجه الطفل يجد بقالات ومحالٍ تبيع التسالي المليئة بالمواد الحافظة والدهون، كما اعتادت ألسنة الأطفال على المذاق المالح جداً أو الحلو جداً، فيصعب عليهم في البداية تقبل الأكل الصحي المعتدل المذاق.
من هنا شددت سهى بأن على الأهل التوعية الدائمة وإيجاد البدائل الطبيعية، فبدلاً من كيس النقاريش المالحة مثلاً فلنوفر لهم كيساً من الجوز أو اللوز، ولتتكرر المحاولات حتى يعتاد الطفل على الغذاء السليم.
وتضيف سهى:

” لو عدنا للماضي، لأدركنا كم كانت الأمور مختلفة، فالناس كانت تتعب وتكد من أجل تأمين لقمة العيش، وطبيعة الأعمال كانت تعتمد على المجهود العضلي والجسدي وليست مكتبية كالوضع السائد اليوم، كما أن وسائل الراحة العديدة (السيارات والتلفزيونات، الهواتف خلوية، الانترنت…الخ) قلّلت الحركة، ومع زيادة الدخل، أصبح الطعام متوفراً بسهولة، ولكن في الوقت نفسه بسعرات حرارية أكبر”.

الفجوة العاطفية من أحد أسباب السمنة
تشعر سهى دائماً بخفة الجسم، الحركة المتزنة، التركيز العالي، النفسية الهادئة، المعدة المرتاحة بلا تلبكات، مع تقليل احتمالات الزيادة في الوزن. أما في عيادتها فتلمس النقيض من المراجعين الذين يشكون أمراض السلوك الغذائي الخاطئ مثل: السكري، هشاشة العظام، الضغط، السمنة المفرطة، الكرش المتدلي، معترفةً أن البيئة تغيرت، ولكن أين تفكير الناس في مواجهة كل عناصر البيئة تلك! ومن خلال مشاهداتها، تلاحظ سهى أن الكثير من السيدات تلجأن للأكل لتخفيف التوتر الذي تعانين منه، ما يزيد من سمنتهن وبالتالي تقييمهن الذاتي المنخفض لنفسهن، فتواصلن الأكل وهكذا يصبح الأمر كالحلقة المفرغة.
وحول الرياضة كعلاج للسمنة قالت: ” على الإنسان أن يدرك أن الرياضة لوحدها لا تكفي في ظل غذاء غير صحي، فما يأكله المرء في دقيقة بحاجة إلى ثلاث ساعات لحرقه، فعليه بالتوازن والاعتدال”.

وعن المراجعين من الأطفال تقول سهى بأنها تلاحظ من خلال سؤالها لهم:

” ما رأيك بوضعك الحالي؟

بأن هناك فجوة بينهم وبين الأهل وخواء عاطفي يدفعهم في معظم الأحيان إلى الإكثار من تناول الطعام، فتبدأ معهم من الجانب النفسي عبر تعزيز ثقتهم بنفسهم، ومن ثم متابعة نظامهم الغذائي، كما تنصحهم بالركض واللعب خارج المنزل وتجنب الجلوس الطويل على التلفاز والحاسوب”.
وتخاطب سهى الجماهير الواسعة من خلال زاوية أسبوعية في صحيفة القدس، وتذكر لقائها برجل من قرائها في احد الأماكن والذي شكرها بقوله:” الإصرار في مقالاتك على التغذية السليمة، دفعني للالتزام، وقد خفّضت عشرين كغم من وزني”.

البيئة والإنسان…علاقة منسجمة أو خطرة
وحول العلاقة بين الصحة والبيئة، قالت أنها علاقة تبادلية واستشهدت بالدراسات العلمية التالية التي تستشهد بها دائماً من خلال مقالاتها الأسبوعية:

– يموت 3 ملايين شخص سنوياً نتيجة تلوث الهواء بفعل الدخان( التدخين لسلبي)

-يؤثر التلوث السمعي على دقات القلب ويسبب على المدى البعيد فقداناً للسمع.

- يسبب تلوث الهواء بفعل أبخرة عوادم السيارات أمراض القلب، تصلب الشرايين، والجلطات القلبية والدماغية.

- يسبب تلوث البيئة السكري، حيث أثبتت الدراسات تأثير التلوث على زيادة نسبة الدهون، والتي تسبب خللا في الأنسولين، ما يرفع احتمالات الإصابة بالسكري. - سرطان الأطفال ارتفع في السنوات الأخيرة نتيجة تلوث البيئة.

- تزايد حالات الموت المبكر بنسبة 15- 17% للأشخاص المتواجدين في البيئات الملوثة.
- تزايد ظاهرة البلوغ المبكر وتشوهات الأجنة بسبب حقن الغذاء بالهرمونات واستخدام الأسمدة الكيماوية.

- حالة وفاة في العالم كل عشرين ثانية بسبب الطبخ الخاطئ ( القلي، الشواء).

مشاهدات يومية مزعجة
وحذرت سهى من خلال مشاهداتها اليومية من ظاهرة حرق الناس لمكبات النفايات، نظراً للخطر الناجم عن انبعاثات مادة الديوكسين المتطايرة والمسببة للسرطان. كما دعت الناس إلى عدم إلقاء الزيت في حوض الجلي، لأنه يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه لإزالته.

ولسهى موقف من البلاستيك حيث ترى أن ضرره أكثر من نفعه، وخاصة أن الناس لا يحسنون استخدامه، فيحفظون الطعام والشراب الساخن فيه، ما يؤدي إلي تحلل مواده الكيميائية الخطرة مع الطعام، مشيرة إلى أنها لا تستخدم في بيتها إلا الأواني الزجاجية. كما لا يوجد في بيت سهى استخدامٌ للقلي لأن الزيت المتبخر خطر على الصحة عدا عن الطعام المقلي، كما أنها تحرص على شراء الأكل العضوي و لو أصبح نادرا هذه الأيام.
أسئلة بالعمق

وبالعمق مع سهى الإنسانة، كان التالي:
الهوايات: القراءة، السياحة واستكشاف البلدان وتربية الحيوانات الأليفة.

كتابها المفضل: ثقافة المضطهد، باولو فيريري
فيلمها المفضل: ” البيت” وهو فيلم وثائقي يناقش المخاطر المحدقة بكوكب الأرض بفعل الإنسان.

طعامها المفضل: السمك المشوي، البرغل، زيت الزيتون، الخيار، الشمام، الثوم والبصل والبهارات الطبيعية. سهى بعد عشرين عاماً: استطاعت الوصول لأكبر شريحة من الناس، وربما تقدم برنامجاً تلفزيونياً خاصاً بها حول الصحة.

الصحة والغذاء: طريقة حياة
الشجرة: الثبات والتواصل مع الأرض والعطاء.

العائلة: الامتداد من الأسلاف
سهى خوري: إنسانة


اجرى الحوار : أ. ربى عنبتاوي – مدونات مكتوب